الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
95
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سوء قال تعالى : وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [ الصافات : 57 ] ولذلك حذف متعلّق « محضرون » ، فأما الإتيان بأحد لإكرامه فيطلق عليه المجيء . والمعنى : أن الجن تعلم كذب المشركين في ذلك كذبا فاحشا يجازون عليه بالإحضار للعذاب ، فجعل « محضرون » كناية عن كذبهم لأنهم لو كانوا صادقين ما عذبوا على قولهم ذلك . وظاهره أن هذا العلم حاصل للجن فيما مضى ، ولعل ذلك حصل لهم من زمان تمكنهم من استراق السمع . ويجوز أن يكون من استعمال الماضي في موضع المستقبل لتحقيق وقوعه مثل أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] ، أي ستعلم الجنة ذلك يوم القيامة . والمقصود : أنهم يتحققون ذلك ولا يستطيعون دفع العذاب عنهم فقد كانوا يعبدون الجن لاعتقاد وجاهتهم عند اللّه بالصهر الذي لهم . [ 159 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 159 ] سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) أتبعت حكاية قولهم الباطل والوعيد عليه باعتراض بين المستثنى منه والمستثنى يتضمن إنشاء تنزيه اللّه تعالى عما نسبوه إليه ، فهو إنشاء من جانب اللّه تعالى لتنزيهه ، وتلقين للمؤمنين بأن يقتدوا باللّه في ذلك التنزيه ، وتعجيب من فظيع ما نسبوه إليه . [ 160 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 160 ] إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 ) اعتراض بين جملة سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الصافات : 159 ] وجملة فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ [ الصافات : 161 ] الآية ، والاستثناء منقطع ، قيل نشأ عن قولهم : إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [ الصافات : 158 ] والمعنى لكن عباد اللّه المخلصين لا يحضرون ، وقيل نشأ عن قوله : عَمَّا يَصِفُونَ [ الصافات : 159 ] أي لكن عباد اللّه المخلصين لا يصفونه بذلك ، وقيل من ضمير وَجَعَلُوا [ الصافات : 158 ] أي لكن عباد اللّه المخلصين لا يجعلون ذلك . وهو من معنى القول الثاني ، فالمراد بالعباد المخلصين المؤمنون . والوجه عندي : أن يكون استثناء منقطعا نشأ عن قوله : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الصافات : 159 ] فهو مرتبط به لأن « ما يصفون » أفاد أنهم يصفون اللّه بأن الملائكة بناته كما دل عليه قوله : أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ [ الصافات : 149 ] . والمعنى : لكن الملائكة عباد اللّه المخلصين ، فالمراد من عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الملائكة فهذه الآية في معنى قوله : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] .